الوجودية | تلمذة أونلاين

الوجودية

 

ليست الوجودية أمراً نضعه أمام الناس للتصويت، هذا يصوت إلى جانبها وذاك يصوت ضدها.

ومتى كان الناس يصوتون إلى جانب الريح أو ضده؟

فالريح تحمي الغلال وتنظف شوارع المدن، كما أنها تهدم عنابر الحبوب

وتهدم المعامل والمصانع. كذلك الوجودية مجلبة للخير كما أنها سبب بلاء وغضب.

كذلك لا يستطيع الناقد تقويم الوجودية كفلسفة تقويماً هادئاً موضوعياً. نعم،

قد يحاول، وبكل تجرد أن يظهر النواحي الصالحة فيها والنواحي الطالحة

ولكنه إذا حاول هذا فانه يقع في الفخ الذي نصبه لنفسه

لأنه إذا كان هناك من حقيقة في الوجودية فليس في قدرة أحد أن يدعي فضل الكشف عنها.

لأن الناقد ذاته فريسة الصراع الداخلي، فالهمّ ينتابه من كل ناحية 

والقلق يأخذ به من كل جانب، ربما له أن يلجأ إلى الحقائق وإلى المنطق،

لا بل يستعين بهما، غير أن تفكيره سيكون مشوباً بما ينطوي عليه من يأس ومن أمل،

من إيمان ومن عدم إيمان

تكشف الوجودية لنا عن المفارقات القاسية وعن التناقضات المؤلمة التي ينطوي عليها مجتمعنا.

فجموعنا تمجد الحرية الشخصية وتتخذها مادة من مواد قانون إيمانها.

ولكن الفقر والتعصب يحرمان بعضنا من هذه النعمة

ويروح الرخاء اللين يستهوي بعضنا الآخر فيضحي بالذات الإنسانية

ويقتل المحبة في سباقه المضني لجمع الثروة.

وتكثر وسائل الإعلان الوعود بالسعادة بواسطة الكماليات ووسائل الراحة،

فيصدق التعساء الوعود، ويؤمنون بصحة الإعلان،

فيحاولون الشراء ليدفعوا همومهم وأحزانهم. ولكنها هموم وأحزان تأبى أن تدفن.

وتخدعنا الصناعة، وتغرينا حركة البناء، فيخيل إلينا أن مدننا ثابتة خالدة،

ولكنها، إذا ما نشبت حرب، تصبح بين ليلة وضحاها خراباً.

وتتكلم الكنيسة عن الله، ولكن أديان العامة،

تعد الناس بالراحة والهناء عوضاً عن أن تكون نذيراً بأن هناك دينونة، وأن هناك رحمة وغفراناً.

عندما تكون الطمأنينة والاستقرار الداخلي سراباً خداعاً،

وعندما تكون السعادة خداعاً ومراء، وعندما يعنى الدين بأمور وهمية خلابة،

تبدو الوجودية وكأنها دعوة للناس ليواجهوا حقائق الحياة. أنها تطلب من الإنسان أن يكتشف ذاته،

وأن يواجه عالمه، وأن يتقبل مصيره بهدوء. وعندما تطلب الوجودية من الناس أن يفعلوا هذا -

وهذا ما يحاول الناس مجانبته - فإنها تكون قد هدتهم سواء السبيل.

ولكن للوجودية مخاطرها. بعض هذه المخاطر تنجم، إلى حد ما،

عن الشجاعة والإقدام اللذين يبديهما الرجل المغامر المتحدي،

وبعضها الآخر ينجم عن الحمق والتجاهل

قال الجاهل في قلبه (ليس إله) فسدوا ورجسوا، ليس من يعمل صلاحاً 

 وليس من السهل الفصل بين الشجاعة والإقدام وبين الحمق والتجاهل،

لأن كل خطر قريب الصلة، شديد الارتباط بقوة نبديها أو شجاعة نمارسها"

أولاً: إن الوجودية، برفضها الأمر الوسط، يجعل الناس يقلدونها.

والثائرون والخارجون على العقيدة والعرف يقعون فريسة سهلة للطقوس والمراسيم الجديدة.

وقد ينقلب الهجوم الذي نشنه على كل زائف خداع إلى زيف وخداع تم تعريف هؤلاء على هذا النحو

"أن الفراغ الذي نشعر به في الوجود، والقنوط واليأس، جميع هذه الأمور قد تستحيل -

وهذا مما يدعو للعجب والدهشة - إلى نوع من تحدي الوجود، تحدٍ يرافقه استخفاف،

واكتفاء ذاتي، وشعور مريح هانئ"

ثانياً: إن تعطش المرء للحرية ولتحقيق الذات قد ينحط إلى مستوى الخيال المسرحي،

وإلى نوع سخيف من توكيد الذات. تقول الوجودية: "كن على حقيقة ذاتك".

ولكن أي ذات سأكونها؟ الذات التي لا تجد نفسها ألا في إخلاصها لولائها وتمسكها بها،

أو الذات التي تسعى لتتحرر من هذا الولاء ومن التمسك به؟

هنا نجد أشد المفارقات وضوحاً بين الوجودية الملحدة وبين الوجودية المسيحية.

فإن الملحد ينكر الله خوفاً من أن يكبت الله حريته ويقيدها.

أما المسيحي فإنه يصلي بطريقته التقليدية المألوفة قائلاً:

أيها الرب الإله الذي خدمته وعبادته فوز بالحرية التامة

" إن الملحد ينشد الحرية بالتعبير عن الذات أما المسيحي فبالموت للخطية

ثم القيامة إلى حياة جديدة.

يقول قائل: إن الإكثار من الثرثرة حول الحرية المسيحية ليس سوى قناع يخفي

وراءه حياة استعباد لمجموعة من القوانين المحجرة المفروضة على الإنسان فرضاً.

أما المسيحي فيقول - وهو أيضاً على صواب فيما يقوله-

أن الوجوديين الملحدين لم ينظروا بعد نظرة المتفحص في التعاليم العظيمة حول الحرية المسيحية

انتظرووووووا الجزء الثانى 

بقلم / سمير قصدالله 

شارك المحتوى - Please Share

 
 
Loading

تأمل اليوم

 
  • استمع للتأمل:
 

 

Live Help