هل يسوع هو الله؟ وهل ادعى ذلك؟

من هو يسوع؟ هل هو الله؟ هل ادعى ذلك؟ لنرَ الدليل من حياة يسوع المسيح، ولماذا لا يُعد الإيمان به إيماناً أعمى.

إنه من المستحيل بالنسبة لنا أن نعرف، على وجه اليقين، ما إذا كان الله موجوداً أم لا، وكيف يبدو، ما لم يأخذ هو المبادرة ويعلن عن نفسه.

يجب علينا أن نلقى نظرة فاحصة على التاريخ لنجد المفتاح إلى إعلان الله. وهكذا، سنكتشف أنه يوجد مفتاح واحد، فى قرية مظلمة بفلسطين، حيث وُلِد - منذ 2000 سنة – طفل فى مزود للبقر. وذلك الطفل مازال العالم كله يحتفل بميلاده، ولأسباب قوية وحاسمة.

لقد أخبرنا الإنجيل أن جموع الناس كانت تستمع إلى كلامه بفرح، وإنه كان يعلِّم كمن له سلطان، وليس كالكتبة ومعلِّمى الشريعة (متى 29:7).

وسرعان ما أصبح واضحاً أنه يدلى بتصريحات صادمة ومذهلة عن نفسه. لقد أعلن عن نفسه أنه أكثر من مجرد معلم عظيم أو نبى، وبدأ يقول بوضوح إنه الله. لقد جعل من هويته محور تعليمه. لقد كان أهم سؤال طرحه على تلاميذه وتابعيه هو:- "من تقولون إنى أنا؟" وعندما أجاب بطرس:- "أنت المسيح ابن الله الحى"، فإن يسوع لم يندهش أو يستنكر كلام بطرس، بل مدحه وطوَّبه (متى 15:16-16).

ولقد اعتاد يسوع أن يتكلم عن الله كأبيه، وكان سامعوه يفهمون معنى ذلك تماماً. يقول الإنجيل إن اليهود حاولوا قتل يسوع أكثر من مرة، ليس فقط لأنه كسر السبت، بل أيضاً لأنه كان يدعو الله أباه، معادلاً نفسه بالله (يوحنا 18:5).

وفى مناسبة أخرى قال:- "أنا وأبى واحد". وعلى الفور، حاول اليهود أن يرجموه، فسألهم من أجل أى عمل من أعماله الحسنة يريدون رجمه، فأجابوه بأنهم لا يرجمونه بسبب أى من أعماله، بل بسبب التجديف، لأنه وهو إنسان يجعل نفسه إلهاً (يوحنا 32:10-33).

وعندما أنزلوا إليه المفلوج عن طريق السقف ليشفيه، قال له يسوع:- "يابنى، مغفورة لك خطاياك". فهاج قادة اليهود قائلين:- "لماذا يتكلم هذا هكذا؟ إنه يجدف. من يستطيع غفران الخطايا إلا الله وحده؟"

وعند محاكمة يسوع، طرح عليه رئيس الكهنة سؤالاً مباشراً:- "أأنت المسيح ابن المبارك؟"

فأجابه يسوع:- "أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة وآتياً فى سحاب السماء". فمزق رئيس الكهنة ثيابه وقال:- " ما حاجتنا بعد إلى شهود؟ قد سمعتم التجاديف" (مرقس 61:14-64).

لقد ساوى يسوع موقف الإنسان منه بموقف الانسان من الله. فمن يعرفه يعرف الله (يوحنا 19:8 و 7:14).. ومن يره يرى الله (يوحنا 45:12 و 9:14).. ومن يؤمن به يؤمن بالله (يوحنا 44:12 و 1:14).. ومن يقبله يقبل الله (مرقس 37:9)..ومن يبغضه يبغض الله (يوحنا 23:15).. ومن يكرمه يكرم الله (يوحنا 23:5).

وعند فحص أقوال يسوع عن نفسه، نجد أمامنا أربعة احتمالات: إما أن يكون كاذباً، أو أن يكون غير سليم عقلياً، أو أن يكون مجرد أسطورة لا وجود له فى الحقيقة، أو أن يكون صادقاً فيما أعلنه عن نفسه.

والسؤال هو:- "هل قال يسوع الحقيقة؟"

- ربما يكون يسوع قد كذب عندما قال إنه الله، وقد خدع سامعيه ليعطى سلطة لتعاليمه. إن الكثيرين يعتبرون يسوع معلماً أخلاقياً عظيماً. لكنهم لا يدركون مدى التناقض الذى يقعون فيه، لأنه لا يمكن أن يكون معلماً عظيماً للأخلاق، وفى نفس الوقت يكون كاذباً بشأن هويته.

- والاحتمال الثانى هو أن يكون يسوع حسن النية، لكنه هو نفسه مخدوعاً بشأن هويته. إن الشخص الذى يظن نفسه إلهاً يصفون حالته اليوم بالاضطراب العقلى. لكننا عندما نتأمل حياة يسوع، لا نجد أثراً لأى خلل أو عدم اتزان عقلى، بل على العكس من ذلك، نجده ثابتاً وقوياً للغاية، ويتصرف بمنتهى الحكمة أمام الضغوط.

- والاحتمال الثالث هو أن يكون تلاميذه قد اخترعوا أقوالاً وضعوها على لسان المسيح وهو لم يقلها. لكن هذا الاحتمال تدحضه الدراسات التاريخية التى تثبت أن التلاميذ الذين كتبوا الأناجيل الأربعة كانوا يكتبونها وسط أناس قد عاصروا المسيح ورأوه بأعينهم وسمعوه بآذانهم، وأن الأربعة أناجيل قد كُتِبت جميعها فى القرن الأول الميلادى. بعكس الأناجيل المزورة التى تمت كتابتها بعد قرون عديدة.

يسوع، إذن، لم يكن كاذباً، أو مختل عقلياً، أو تم تلفيق أقوال ووضعها على لسانه. ولم يبقَ إذن إلا الاحتمال الرابع والأخير: أن يسوع كان صادقاً عندما أعلن أنه الله.

لكن من ناحية أخرى، فإن الكلام سهل، فأى شخص يمكنه أن يدعى أى ادعاءات يريدها. هناك آخرون قد ادعوا الإلوهية. أنا نفسى أستطيع ادعاء الإلوهية، وأنت أيضاً تستطيع ذلك. لكن السؤال الهام هو: "ما هى الأدلة التى تثبت كلامى؟" من المؤكد أن أحداً منا لن يستطيع أن يستمر فى ادعاءه هذا أكثر من دقائق معدودة.

أما بالنسبة ليسوع الناصرى، فقد كان لديه كل الأدلة التى تثبت صحة ادعائه. لقد قال:- "إن لم تؤمنوا بى فآمنوا بالأعمال، لكى تعرفوا وتؤمنوا أن الآب فىَّ وأنا فيه" (يوحنا 38:10).

أولاً:- شخصية المسيح البارة الفريدة:-
لقد اتفق سلوك يسوع البار مع ادعاءاته، حتى أنه كان قادراً على تحدى خصومه بطرح السؤال التالى عليهم:- "من منكم يبكتنى على خطية؟" (يوحنا 46:8). فسكت الجميع ولم يًجبه أحد، حتى أولئك الذين كانوا يتوقون إلى العثور على أى نقص فى شخصيته أو أخلاقه.

لقد قرأنا عن تجربة إبليس ليسوع، لكننا لم نقرأ عن أى خطية سقط فيها. إنه لم يطلب الغفران قط، ومع ذلك، فقد أوصى تلاميذه أن يطلبوا الغفران عن خطاياهم.

إن انعدام أى شعور بتبكيت الضمير أو الإحساس بالذنب عند يسوع هو أمر غريب جداً، لأنه يختلف عن كل ما عرفناه عن مشاعر القديسين على مر العصور. 

إن أقرب الناس إلى الله وأكثرهم حباً له وعِشرة معه هم أكثرهم إحساساً بضعفهم، واستياءً وخجلاً من خطاياهم. وكلما اقترب الإنسان من الله، كلما أحس بضآلته وخلوه من البر واحتياجه إلى مغفرة الله له وتطهيره من خطاياه.

ومع ذلك، فقد شهد بطرس ويوحنا وبولس عن خلو المسيح من أى خطية – مع أنهم يعلمون جيداً أنه ما من إنسان، فى العالم كله، يخلو من الخطية – فقالوا عن يسوع:- "الذى لم يفعل خطية، ولا وُجِد فى فمه مكر" (بطرس الأولى 22:2).

حتى بيلاطس، الذى حكم على يسوع بالموت، قد شهد قائلاً إنه لا يجد خطية فى هذا البار، وإنه برىء من دم هذا الرجل.

أما جماهير اليهود الغاضبة، فلم يكن مناداتها بصلب يسوع بسبب خطية ارتكبها، بل بسبب ما اعتبروه تجديفاً، حيث قال عن نفسه إنه الله. 

أما قائد المئة الرومانى الذى شارك فى صلب يسوع، فقد شهد عنه قائلاً:- "حقاً كان هذا ابن الله" (متى 54:27).

ثانياُ:- شفاء يسوع للأمراض:-
لقد أظهر يسوع سلطته الكاملة على المرض، فقد شفى كل أنواع الأمراض: ففتح عيون المكفوفين، وجعل البكم يتكلمون، والعُرج والمشلولين يمشون، والمصابين بالبرص يبرأون. بل إنه شفى عيوباً خلقية ليس من المفترض أن تكون قابلة للشفاء أصلاً، فقد صنع عينين للمولود أعمى، والذى لم تكن له عينان من الأصل، وهذا يتعدى حدود شفاء الأمراض إلى الخلق. وقد انبهر رؤساء الكهنة بما فعله يسوع – وإن لم يريدوا أن يؤمنوا به – فرددوا باندهاش كبير أنه لم يسبق لأحد أن سمع أن إنساناً قد فتح عينىّ مولود أعمى (يوحنا 25:9-32).

ثالثاً:- سلطان يسوع على الطبيعة:-
لقد أظهر يسوع سلطاناً فائقاً على الطبيعة، فقد أسكت الريح العاتية وهدَّأ العاصفة الهوجاء، على بحر الجليل، بمجرد كلمات بسيطة. لقد أمر الطبيعة فأطاعت على الفور. وتعجب تلاميذه من قدرته فصاحوا متسائلين:- "من هو هذا، فإن الريح أيضاً والبحر يطيعانه؟" (مرقس 41:4).
لقد حول يسوع مادة الماء إلى خمر، فى عرس قانا الجليل (يوحنا 6:2-10).
لقد أشبع يسوع خمسة آلاف رجل، غير النساء والأطفال، بخمسة أرغفة وسمكتين (متى 14:14-21 ، مرقس 30:6-44).
لقد أقام يسوع ابن الأرملة من الموت (لوقا 11:7-17).
لقد نادى يسوع لعازر – الذى كان قد مات منذ أربعة أيام – آمراً إياه أن يخرج من القبر، فخرج على الفور. والعجيب أن أعداءه – برغم أنهم لم ينكروا معجزاته الباهرة – قد قرروا قتله حتى لا يؤمن به الجميع (يوحنا 48:11).

رابعاً:- قيامة يسوع من الموت:-
كان أكبر دليل على إلوهية المسيح هو قيامته من الموت بعد صلبه ودفنه فى القبر. وكان يسوع قد تنبأ خمس مرات بقيامته من الموت صلباً فى اليوم الثالث.

كان ذلك هو أكبر اختبار لصدق يسوع ولإلوهيته. وقد أثبت يسوع بقيامته حقيقة إلوهيته بشكل لا يقبل الشك.

قال يسوع:- "أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى" (يوحنا 6:14).

وقال أيضاً:- "أنا هو نور العالم. من يتبعنى فلا يمشى فى الظلمة، بل يكون له نور الحياة" (يوحنا 12:8).

كما قال عن المؤمنين به:- "أنا أعطيهم حياة أبدية" (يوحنا 28:10).

لقد قدم يسوع بكلامه برهان إلوهيته، إذ قال:-
"إن ابن الإنسان يُسلَّم إلى أيدى الناس فيقتلونه. وبعد أن يُقتَل يقوم فى اليوم الثالث" (مرقس 31:9).

ماذا يعنى ذلك؟
إن الكلام سهل، فأى شخص يمكنه أن يدعى أى ادعاءات يريدها، دون أن يتمكن من إثباتها.

أما فى حالة يسوع، فقد أثبت كلامه عملياً بقيامته من الأموات. إن لم يكن يسوع قد قام، لما كان للمسيحية دعامة قوية وأساس متين تقوم عليه

لقد كانت حياة يسوع العجيبة الباهرة، ثم قيامته من بين الأموات، مصدر القوة العجيبة التى شجعت الشهداء على الذهاب لملاقاة الأسود الجائعة بثبات وشجاعة غير عادية، كما كانت المصدر الذى حفز المبشرين، فى وقتنا الحالى، على المجازفة بحياتهم، بكل رضا، لنشر رسالة المسيح فى كل الأرض.

لقد قال بولس الرسول:- "إن لم يكن المسيح قد قام، فباطلة كرازتنا وباطل أيضاً إيمانكم" (كورنثوس الأولى 14:15).

وبالنظر إلى كل المعجزات العظيمة التى صنعها يسوع، فلم يكن صعباً عليه أن يتحاشى الصليب. لكنه قد قال بنفسه عن حياته:- "ليس أحد يأخذها منى، بل أضعها أنا من ذاتى. لى سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها أيضاً (يوحنا 18:10).

فى أثناء القبض عليه، حاول بطرس الدفاع عن يسوع، لكن يسوع قال له:- "رد سيفك إلى مكانه... أتظن أني لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثني عشر جيشا من الملائكة؟" (متى 52:26-53).

لقد كان ليسوع السلطان فى السماء وعلى الأرض، لكنه ذهب بمحض إرادته إلى الصليب.

لقد كان موت يسوع علنياً على الصليب، لفدائنا والتكفير عن خطايانا.

لقد جُلِد يسوع، ووُضِع على رأسه إكليلاً من الشوك، وسار فى طريق مرتفع حاملاً صليباً ثقيلاً من الخشب، ثم وضعوه على الصليب وسمروا يديه ورجليه بالمسامير على جبل خارج أورشليم، وثقبوا جنبه بحربة ليتأكدوا من موته.

وبعد إنزال جسد يسوع من على الصليب، لفوه فى كفن من الكتان ووضعوه فى قبر عليه حراسة من الجنود الرومان حتى لا يسرق تلاميذه الجسد ويدعوا أنه قد قام.

وبعد ثلاثة أيام، وجدوا القبر فارغاً.

- هل يمكن أن يكون تلاميذه قد سرقوا الجسد ليوهموا الناس بقيامته؟ 
لا يمكن. لأن الجنود الرومان كانوا يحرسون القبر، ولا يمكن أن يكونوا قد ناموا أثناء الحراسة، لأن عقوبة ذلك كانت الموت.
بالإضافة إلى ذلك، فإن الرسل جميعهم قد تعرضوا للتعذيب والسجن والموت بسبب كرازتهم بيسوع القائم من الموت. والإنسان لا يموت من أجل كذبة اخترعها.

- هل تكون السلطات الرومانية هى التى أخذت الجسد؟ 
بالطبع لا يمكن. لقد صلبوا يسوع حتى يتوقف الناس عن الإيمان به، فماذا يستفيدون من إقناع الناس بأنه قد قام من الموت؟! على العكس من ذلك، لو كان الجسد بحوزتهم، لكانوا عرضوه فى شوارع أورشليم ليراه الجميع ويقضوا على المسيحية فى مهدها.

- هل تكون النساء اللاتى ذهبن لزيارة القبر قد أخطأن وذهبن إلى قبر آخر فارغ؟
لو كان ذلك صحيحاً، لكان رؤساء الكهنة والرومان قد ذهبوا إلى القبر الحقيقى وأخرجوا الجسد لينفوا قيامة يسوع، لكن ذلك لم يحدث.

- هل يكون يسوع قد دُفِن حياً، فى حالة إغماء، وبعد أن أفاق خرج من القبر؟
إن ذلك يُعد مستحيلاً! فحتى بفرض أنه كان مغمياً عليه فقط، فهل كان من الممكن أن يظل حياً، حتى اليوم الثالث، فى قبر مغلق، بدون طعام ولا ماء، مثخناً بجراحه العديدة، وبعد كل ذلك يستفيق ويرفع غطاء القبر، ثم يزحزح الحجر الضخم الذى يسد فتحة المقبرة، ويواجه الحراس الرومان، ويسير أميالاً حتى يبلغ أورشليم برجليه المثقوبتين بالمسامير؟!!!

أمر غير معقول طبعاً! إنه لو كان قد دُفِن حياً، لمات فى القبر.
وبعد، فلم يكن القبر الفارغ وحده هو الذى أقنع التلاميذ بقيامة يسوع، بل أيضاً المرات العديدة التى ظهر لهم فيها بنفسه، بلحمه وعظمه، وأراهم أماكن الجروح والمسامير، وأكل معهم، وكلمهم، وعلمهم الأمور المختصة بملكوت السموات (لوقا 36:24-45).
وعندما شك توما – أحد التلاميذ – فى كون يسوع شبحاً أو روحاً، جعله يسوع يجسه ويضع يديه فى موضع الجروح. فلما تأكد توما أن يسوع قد قام فعلاً من الموت، سجد له قائلاً:- "ربى وإلهى". فقال له يسوع:- "لأنك رأيتى يا توما آمنت. طوبى لمن آمن ولم يرَ" (يوحنا 24:20-29).

لماذا صنع يسوع كل تلك الأمور؟
لنعرف الله أكثر، ولتكون لنا علاقة قوية معه ونحن على الأرض، ثم تكون لنا حياة أبدية معه بعد انتهاء حياتنا الأرضية، حيث قد حمل يسوع عنا كل خطايانا على الصليب، مخلصاً إيانا من الموت الأبدى.
"لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 16:3).